منذ ظهور الهاتف المحمول في العام 1984، إجتاح إستعماله تدريجاً حياتنا اليومية. اليوم في العالم، أكثر من 1.6 مليار رجل وإمرأة يملكون هاتفاً محمولاً. أي أكثر من سدس (1/6) البشرية ! وفي بعض المناطق، تشكل هذه الهواتف وسيلة الإتصال الوحيدة. من يقول هاتفاً محمولاً، يقول وضع هوائي مرحل لتشغيلها. مع العلم بالعدد المهم للمستخدمين، يمكن لأي نتيجة على الصحة أن يكون لها مضاعفات صحية عالمية. إذا، هل الهواتف المحمولة مضرّة أم لا؟ يطرح السؤال على الرغم من أن حوالي 600 دراسة أجريت حول هذا لموضوع… غالبيتها مموّلة من المشغّلين أنفسهم. وهي أعمال لم تؤد إلى إثباتات علمية تصديقاً لمعارضي الخليوي الذين ينبئون بأخطار سرطانية.
أين أصبحت البحوث اليوم؟ ما هي درجة الدراية؟ هل هنالك خطر على صحتنا؟ نقترح عليكم جولة أفق حول الموضوع.
ولكن أولاً، فلنوضح مسألة التعرّض إلى الموجات المغناطيسية الكهربائية – أو ذبذبات الموجات الهرتزيّة – الصادرة عن تكنولوجيا الخلوي. إنّ الهوائيات المرحلة لشبكات الهاتف اللاسلكي والمحمول بذاتها تصدر الموجات. وإنّ التردّدات التي تبثها تدعى الموجات الصغيرة جدّاً.
ويمكن لهذه الأخيرة أن تتداخل مع بعض المعدات الإلكترونية، كالحاسوب والآت القيادة الإشعاعية. ومن هنا منعها في بعض الأماكن كالطيران الجوي. وتمكن المشكلة نفسها مع المعدات الطبية، بخاصة مضخة الأنسولين والآت التنفس الإصطناعي. لهذا السبب تمنع الهواتف الخلوية بشكل قاطع في المستشفيات أو العيادات.
تعرّضنا تكنولوجيا الخليوي إلى موجات من نوعين مختلفين: عبر إستعمال الآلة اللاقطة المحمولة وعبر التعرّض إلى الموجات التي تبثها الهوائيات المرحلة التي تدعى أيضاً المحطات المرحلة المعلقة على سطوح البنايات وأبراج الأسلاك، إلخ…
يدرّس البروفسور (دوني زميرو) الصحة العامة في كلية الطب في نانسي. في العم 2001، أجرى دراسة حول الهواتف المحمولة والمحطات الأساسية والصحة بقيادة وزارة الصحة العامة الفرنسية. وهو يشرح إختلاف التعرّض بين المحمول والهوائي المرحل. “هنالك إختلافات هامة جداًَ. يتعلّق الأمر بالطبع بتردّد الإنبثات نفسه في ما يتعلق بطول الموجات والتردّدات. لكنّ قرب الهاتف الخليوي من الشخص الذي يحمله، بالقرب من الأذن كالمعتاد، مقارنةً بالهوائي المرحل للهاتف الخليوي، يمكنكم أن تتخايلوا بأنكم من جهة على بعد سنتمترات ومن جهة أخرى على بعد مئات المترات. إن الطاقات التي تتلقونها من الهاتف من جهة ومن الهوائي من جهة أخرى مختلفة تمام الإختلاف. وإنها أعلى بكثير بالنسبة إلى الهاتف“.
في ما يتعلق بالهاتف المحمول، فإنّ التعرّض للموجات الصغيرة جداً يدوم لفترة قصيرة ولكنها قوية. وهي لا تحدث إلاّ خلال الإتصال. وتصدر الآلة اللاقطة الموجات بدرجة 0.7 فولت بالمتر الواحد. وإنّ الإشارات التي يصدرها الجهاز للحفاظ على الإتصال مع الهوئيات المرحِّلة غير مهمِّة لأنها متفرقة.
أما الهوئيات المرحلة فهي تبث بإستمرار الإشارات بقوة 3 إلى 10 فولت بالمتر الواحد. وهي إشارات تصيب بشكل دائم مجموع السكان المتواجدين قرب الهوائيات وليس فقط مستعملي المحمول.
ويمكننا تلخيص الفرق بين الموجات الصادرة عن الآلة اللاقطة والهوائيات المرحِّلة على الشكل التالي: إنّ الحدة التي تصدرها الهواتف المحمولة قوية ولكن قصيرة، بينما تلك التي تصدرها الهوائيات المرحلة هي ضعيفة ولكن مستمرّة. اليوم، لم يتمّ إيجاد أي خطر صحي على مقربة من الهوائيات المرحلة، كما يشرح لنا البروفسور دوني زميرو: ” لم يقرن أي خطر بالهوائيات المرحلة. ولا يشتبه اليوم بأي نتائج صحية غير محبذة عندما نقف على بعد عشرات المترات أو حتى مئات المترات من هوائي مرحِّل لهاتف نقال. إن مستويات الحقول التي نتلقاها أقلّ من الحقول التي نتلقاها منذ عقود وعقود من التلفزيون والراديو“.
وقد تمّ وضع إرشادات صحية عالمية لحامية السكان من هذا التلوث المغناطيسي الكهربائي. لأنه مهما قلناه، يتعلّق الأمر بالتلوث. وحددت عتبة التعرّض التي لا يجب تخطيها بـ 58 فولت بالمتر الواحد. أكثر بكثير من 3-10 فولت بالمتر الواحد التي تصدرها عملياً الهوائيات المرحِّلة.
على الرغم من الدراسات العديدة التي أجريت منذ عشرين سنة، هنالك مقدّمات ضئيلة ذات دلالة حول معرفة المفاعيل التي تسبّبها الحقول المغناطيسية الكهربائية على الصحة البشرية. إننا إذاَ بعيدين عن القدرة على الإستخلاص بكل تأكيد ضررها أ عدم ضررها.
رابط بين الهواتف المحمولة ومرض السرطان؟
ولكن ما يحدث حسيّاً عندما نتعرّض لذبذبات الموجات الهرتزيّة؟ تدخل الموجات داخل أنسجتنا إلى عمق سنتمتر. عندها، يمتصّ الجسم الطاقة مسبّباً إرتفاعاً بنسبة درجةٍ في حرارة الجسم. بعد ذلك، تنشر آليات تعديل الحرارة في حسمنا هذه الحرارة. هل تمتلك الطاقة التي يتمّ إمتصاصها نتائج على صحتنا؟
كلا، يجيب البروفسور دوني زميرو: “إن الطاقة التي نتلقاها من إنبعاثات الهوائي المرحِّل لهاتف محمول ضعيفة إلى حدّ أقلّ من تلك التي نتلقاها من هوائيات التلفزيون والراديو. من غير المحتمل إذاً، ضمن نطاق معرفتنا الحالية، التسبّب بخطر بيولوجي يمكن التعرّف إليه. إنه أمر تتقارب فيه معطيات الآداب تقارباً تماماً تتقارب آراء الخبراء المستقلّين والكفوئين“.
في فرنسا مثلاً، تثير التقارير الثلاثة الحديثة حول الخبرة، من بينهم تقرير العام 2003 الذي أصدرته الوكالة الفرنسية للأمن الصحي والبيئي، فرضيّة “الظنّ المعقول” في ما يتعلّق بضرر الهواتف المحمولة والهوائيات المرحِّلة.
وقد ركزت دراسات وبائية كبيرة حول احتمال صلة بين استعمال المحمول وحدوث أورام في الدماغ والأذن. إنّ أوسع مشروع بحث حول الموضوع، INTERPHONE، يتمّ إجراؤه بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية والمركز العالمي حول السرطان في ليون. وما زال قائماً حتى الآن…
وقد تمّ مؤخراً نشر دراسة تدخل في نطاق INTERPHONE من قبل باحثين في معهد البحوث حول السرطان في بريطانيا العظمى. والاستنتاج… لا شيء. على مدى عشر سنوات، لم يسبب الإستخدام المنتظم للمحول أي ظهور لورم عصبيّ سمعيّ، وهو ورم حميد في الأذن ينتشر في الجهة التي يلصق فيها المستخدم هاتفه.
ولكن لا يستثني الباحثون البريطانيون وجود خطر بعد العشر سنوات. وهو تحفّظ يميل في نفس اتجاه الدراسة التي نشرها في تشرين الثاني 2004 المعهد السويدي للطب البيئي.
ولكن معظم الدراسات تهتمّ بالنتائج القصيرة الأمد للتعرّض للموجات المغناطيسية الكهربائية. من هنا، وحده الوقت يستطيع الإثبات في ما إذا كانت ذبذبات الموجات الهرتزيّة مضرّة حقاً على المدى الطويل.
في المقابل، إستخلصت الدراسات التي أجريت في العام 1997 على الجرذان زيادة الأورام الدماغية بعد التعرّض إلى ذبذبات الموجات الهرتزيّة للهواتف المحمولة وأساسات الآلات المرحِّلة. حسناً، إنّ الفرق كبير بين الجرذ والإنسان. لا حاجة للتعميم إذاً. ولكنّ النقاش لم يقفل بعد حتى ولو لم يتمّ ربط أي حالة سرطان بالهاتف المحمول بطريقة مباشرة حتى يومنا هذا.
أوجاع في الرأس، وغثيان وفقدان الذاكرة…
لحين إشعار آخر، لا يوجد أي رابط بين الهواتف المحمولة ومرض السرطان. ولكنّ كما يفسر دوني زميرو الأمر الأكيد ، أنّه تمّ اكتشاف مفاعيل بيولوجية على مستوى الدماغ : “ما زال هنالك بعض الشكوك والقلق في ما يتعلّق بالهاتف النقال بالمعنى الحقيقي للكلمة. لم يتمّ إيجاد أيّ عناصر مقلقة مؤشرة للمفاعيل الصحية. ولكن هناك مفاعيل بيولوجية يمكن قياسها وجليّة”.
إنّ العوارض الرئيسة التي قدّمها مستخدمو النقال هي أوجاع في الرأس، وغثيان وفقدان الذاكرة. وبحسب المعرفة الحالية، من المستحيل القول أكثر من ذلك، لأنّ الغموض سائد في ما يتعلّق بالخطر الحقيقي او المحتمل لذبذبات الموجات الهرتزيّة الصادرة عن الهواتف الخليوية وهوائياتهم المرحِّلة. في وجه انتشار الدراسات المتناقضة، يبقى الأفضل ان نثق بموقف منظمة الصحة العالمية.
بحسب المنظمة، فإنّ استعمال النقال يغيّر النشاط الدماغي، وقت الإنفعال وهيكلية النوم. إنها مفاعيل صغيرة بالنسبة إلى المنظمة يمكننا وصفها بالأضرار التي لا تؤثر ظاهرياً على الصحة.
نشهد اليوم انتشار التقنيات اللاسلكية. ولا يتوانى المشغّلون عن استهداف الأطفال بشكل مباشر بواسطة منتجات جذّابة. اليوم، في المدرسة، الحصول على هاتف محمول “على الموضة”. ولكنّ شكوكاً كثيرة تؤثر على ضرر المحمول لدى الشبان، حتى ولو لم يؤيّد أي بحث علمي شكوكها.
في حالة الشك وفي مبدأ الإحتياط، لا ننصح الأهل بتزويد أولادهم دون العاشرة من عمرهم بهاتف محمول. وينصح الأخصائيون بتحديدهم لدى الأطفال والمراهقين إذ إنّ قحفهم وجهازهم العصبي لم يكتملوا بعد. هنالك احتمال الخطر إذاً بأن تدخل الإشعاعات بعمق أكثر في دماغهم من الراشدين. وهنالك شكوك تطغى أيضاً على الإصابة بسرطان الدم لدى الأطفال. دوني زميرو :” لا ننصح الأهل بتاتاً بشراء هاتف نقال إلى الأولاد الصغار. وعندما يستعمل المراهقون هاتفاً نقالاً، عليهم أن يعرفوا الفرقبين الهاتف النقال والثابت. فلا نتكلّم ساعات على الهاتف النقال وبخاصة عند التنقلات. يجب ان نستعمله بفطنة. يمكننا تعلّم استعمال الهاتف النقال”.
فقد قلب المحمول حياتنا رأساً على عقب. ولكن لا يجب أن تنسينا حرية التكلم في أي وقت أنّ هذه التكنولوجيا تستدعي موجات صغير جداً ذات مفاعيل صحية غير معروفة لغاية الآن. لذلك، يجب إستخدام النقال بدراية. من باب الوقاية، لا تطيلوا مناقشاتكم إذا كان التلقّي سيّئاً. تحت العلامات الثلاث التي تقيس فعاليّة التلقي، استخدموا مجسّة الأذن او آلة صغيرة غير محمولة. هكذا، تحافظون على مسافة بين دماغكم والآلة.
وانتبهوا إذا كنتم تضعون منبّهاً قلبياً. فيمكن أن يتغيّر او تتغيّر برمجته من الحقل المغناطيسي الكهربائي. ننصحكم إذاً بعدم استخدام المحمول. وإذا تعذّر ذلك، ضعوا السمّاعة على بعد 15 سنتمتراً على الأقلّ من صدركم. وبخاصةٍ، حدّدوا مكالماتكم الهاتفية إلى الحدّ الأدنى. أخيراً، وذلك يسري على الجميع لا تجروا مكالمات هاتفية بينما تقومون بالقيادة. فهنا، الدراسات قطعية إنّ المحمول خطير عند القيادة.
هل انت صحفي؟ إحصل على المزيد من المعلومات عبر الإشتراك في موقعنا المهني agence-destinationsante.com
© 1996-2013 Destination Santé SAS - Tous droits réservés. Aucune des informations contenues dans ce serveur ne peut être reproduite ou rediffusée sans le consentement écrit et préalable de Destination Santé. Tout contrevenant s'expose aux sanctions prévues par les articles L 122-4 et L 335-3 du Code de la Propriété intellectuelle: jusqu'à deux ans d'emprisonnement et 150 000 euros d'amende.











SYNDICAT DE LA PRESSE INDÉPENDANTE D'INFORMATION EN LIGNE